التبريزي الأنصاري
551
اللمعة البيضاء
يجزي الناس بها بأيدي الملائكة : انه أمر عدمي لا يظهر لغيره تعالى ، فهو أبعد من شوب الرياء وأقرب إلى الإخلاص ، فيكون قوله تعالى ( أنا أجزي به ) مبالغة في اكرام الصوم وأهله ، أي أنا أباشر بنفسي لجزائه بلا إحالة أمره إلى الملائكة . ولما ذكر في وجه اشتماله على الإخلاص جعل الصوم في الفقرة الشريفة تثبيتا للاخلاص أي موجبا لتشييد الإخلاص وابقائه أو مظهرا له ولبيانه ، ويؤيد الأخير أن في بعض النسخ : ( تبيينا للإخلاص ) . وقيل في وجه اختصاص الصوم به تعالى وتخصصه بهذه الفضيلة : انه موجب لضعف القوى البدنية ، وكسر الشهوات النفسانية ، أو باعث للتصفية والتخلية ، وجلاء الحواس الظاهرية والباطنية عن الكدورات العرفية ، أو انه جهاد مع النفس وهو الجهاد الأكبر الذي أشير إليه في قوله ( صلى الله عليه وآله ) : قد رجعنا من الجهاد الأصغر - يعني المجاهدة الظاهرية مع المشركين والمنافقين - وبقي علينا الجهاد الأكبر ، قيل : يا رسول الله وما الجهاد الأكبر ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : جهاد النفس ( 1 ) . أو ان الصوم من جهة اشتماله على الجوع يكسر سورة الشيطان وجنوده المفسدين في أرض البدن ، كما ورد : ( إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم ، فضيقوا مجاريه بالجوع ) ( 2 ) إلى غير ذلك . وقرئ قوله تعالى ( أنا اجزى به ) بصيغة المجهول ، وعلى تقدير صحته يكون المعنى : وأنا جزاء صومه ، من باب ما نسب إلى الحديث القدسي : ( من أحبني عشقني ومن عشقني قتلته ، ومن قتلته فأنا ديته ) . و ( الحج ) قد مرت الإشارة إلى معناه اللغوي والشرعي ، والمراد هنا هو معناه الشرعي . و ( التشييد ) من الشيد - بالفتح - بمعنى الرفع ، أومن الشيد - بالكسر - وهو كل
--> ( 1 ) الكافي 5 : 12 ح 3 ، عنه البحار 19 : 182 ح 31 . ( 2 ) البحار 63 : 332 .